azzaman
2004/08/30
... ارسل الى صديق  ... نسخة للطباعه ...اضف الى المفضله Bookmark and Share

النحت علي الحوّر - تيسير نظمي

النحت علي الحوّر - تيسير نظمي
مزدحم كقطار ، والوجهة غير محددة منذ اضطررت للنزول أول مرة دون الاقتناع بأسباب النزول? لكن رغبة في التواضع أمام ما كان يسمي آنذاك بالإجماع الفصائلي الوطني، حسناً ، دعونا نعود لسكة الحديد أيام الأتراك أو أيام الانتداب فليس ثمة فرق كبير يذكر? حسنة شعبنا أنه لم يندفع للتخندق مع لورانس العرب- حسب الدارج من التسميات- في وادي رم أم في غير وادي رم، وهذا ليس معناه علي الإطلاق أن يتخندق في صفوف نازية هتلر، فرفض خيار لا يعني الخيار المضاد كما هو معهود في العقلية السياسية الموروثة، إما الكفر أو الإيمان، لا?? حسنة شعبنا أنه لم يهاجم سكة الحديد ويحطمها،لذلك لم يكن بكبير الحاجة للينين، بل أبقاها ولذلك كانت موجودة منذ الطفولة وبدء الابتعاد عن البيت باتجاه قرية العطارة وتجارب النحت علي الحِوَّار الأولي، لكن وجودها اقتضي الإحالة لما هو غير موجود والذي ظل غير موجود حتي في ظلال الاحتلال إذ لم يفكر الإسرائيليون أيضاً بتسيير قطار ما عليها، وهكذا نشأت الفكرة من واقع أصيل، غير أن القطار الأول الذي رحل بي مسافات شاسعة كان ثقافياً قبل أن يفكر المجلس الثقافي البريطاني في نهايات القرن الماضي بتسيير قطار ثقافي للكتاب يجمع كتاب بريطانيين مع أقرانهم من الكتاب الصينيين في الصين نفسها، وقد شاركت الشاعرة الأيرلندية في ذلك القطار، كان قطاراً ثقافياً ابتدأ بالقراءة وعربات الكتب بدءاً بما توفر لي في مكتبة مدرسة سيلة الظهر الثانوية في العامين 66-67 وخاصة حول الفن التشكيلي ومدارس الفن الحديث وليس انتهاء بما توفر لي في مكتبة حولي العامة في الكويت في أعقاب 19?6?67 مباشرة تاريخ عودتي الأخيرة للكويت، كان القطار سريعاً جداً بحيث يطوف بك في أحداث ووقائع ما سمي بثورة 23 يوليو 1952 في رواية ?رد قلبي? الرواية الأولي التي قرأتها في حياتي ولينطلق بي ذات القطار نحو? خان الخليلي? و?زقاق المدق? وجميع ما كتبه نجيب محفوظ حتي عام 1969 تقريباً وإذا بي خلال سنوات التشكل الثقافي والوجداني في أحد القطارات الموصلة إلي عوالم جون شتاينبك مسافر دائم في قطار وعربات الرواية، فرنسا، أسبانيا، روسيا، رغم أن ا لعمل الفدائي الفلسطيني آنذاك كان مستعراً في الأردن ، لكن ظهور ?أدب المقاومة? وشعراء المقاومة جعلني أترجل من عربات القطار الأوروبي لأمشي علي سكة الحديد الأولي بدءاً بروايات وقصص غسان كنفاني وليس انتهاء بالريل العراقي، لكن مع بدر شاكر السياب تحديداً قبل مظفر النواب? كانت وتيرة العمل الطلابي الفلسطيني آنذاك تدين كل من يشغل نفسه بقراءة جان بول سارتر وكولن ويلسون، وضد كل من يركب وسيلة نقل أوروبية أو قطار الاستعمار? وما وقع هو الانشداد الدائم لغير وجهة الثقافة العالمية التي تنشد، فالعمل السياسي الفصائلي لا ينظر بكثير احترام للمثقف والفنان إلا بمقدار ما يكون له من وضع تنظيمي آنذاك، ولم يكن بمقدوري آنذاك أن أصبح فتحاوياً أو أخاً مسلماً لكن اليسار بعامة حتي ذلك التاريخ كان غامضاً ولم يصلني إلا عبر القراءة الروائية?

اهتديت حقاً إليه من خلال نهاية الثلاثية ونهاية رواية ?بداية ونهاية? وهذا ما سوف يسبب لي إشكالات فيما بعد مع المحسوبين علي الجبهة الشعبية وعلي الحزب الشيوعي الفلسطيني فيما بعد، أي مع من لم يركبوا سوي قطارات حقيقية يربض في كل منها ستالين تارة علي شكل رجل وأخري في مظهر امرأة ? وللأسف لم اكتشف تروتسكي إلا بعد فوات الأوان، أي في بداية الثمانينيات حينما كان الاتحاد السوفيتي يحتضر ولا تفصله عن الرواية التي وقفت ضدها – لأسباب أيديولوجية – سوي أربع سنوات وزد علي ذلك قليلاً كي نصل إلي البريسترويكا التي جاء بها غورباتشوف ليكون آخر زعماء العملاق الآخر في الشرق? كان للدكتور رجاء الدريني موقفاً آخر من رواية جورج أورويل?العالم سنة 1984? ولكنه كان متفهماً للنزعة الوطنية التي كان يحملها أبناء جيلنا? كنا علي درجة من التطرف بحيث نضع أساتذتنا موضع الشبهات بالنظر لما يقررونه علينا من كتب وروايات وأشعار ضمن منهج الأدب الإنجليزي في جامعة الكويت? في بعض تلك المواقف كنت علي صواب وفي بعضها الآخر لم أكن، بحكم أنني لم أكن مطلعاً علي أفكار تروتسكي آنذاك لأن العمل السياسي اليومي كان شغلنا الشاغل? ولو عدت إلي عربات قطاري بدلاً من تلك التجربة التي لم تخلف لدي سوي الإحباط علي كل الصعد لكان هذا أفضل، وما كان بوسعي أن أفعله? الكارثة أن تلك التجربة أي النزول من قطارك الخاص إلي قطارات وعربات الآخرين السائرة في وجهات ما كنت لتختارها كفرد بل أن الالتزام بالجموع وبالمركزية الديمقراطية آنذاك، حرف الوجهة الصحيحة لي عن الكتابة الإبداعية التي كنت أطمح إليها، وجعلني أختار بعض أسوء ما لدي من قصص وأن أضحي بقصص جميلة أحبها اليوم أكثر من كتبي المنشورة وفي نفس الوقت أفتقدها ولا أستطيع الانشغال بالتفتيش عنها لجمعها في كتاب مثلاً أو إعادة قراءتها، وأشك أن أحداً سوف يفكر في ذلك ما لم نأتِ بأعمال إبداعية كبيرة تجبر الدارس والناقد أو الباحث عن موضوع لدراسته في الماجستير أو الدكتوراه أن يتعب حقاً في سبيل ذلك? باختصار تعرضنا لتشويه مجاني في تجاربنا وفي طرق التعبير عنها مثلما تعرضنا للقمع،و الأدهي من ذلك أن بعضنا لم يساعد أو يسعف بعضنا ليس علي الصعيد الإبداعي والثقافي والصحفي وحسب بل علي الصعيد الإنساني والأخلاقي?

فمن كانوا شيوعيين بزوجات غير فلسطينيات وتحديداً من الدول الاشتراكية سرعان ما التحقوا ببلدان الزوجات بعد أن أسهموا في تغيير برنامج الحزب وبرسكوه دون مبرر بعد أن كانوا قد ستلنوه? نقلات أوصلت بعضهم أن أخونوه أيضاً فأية كارثة شخصية حلت بنا وأية كارثة وطنية كذلك? سوف تقودني كل هذه الإرهاصات إلي متتالياتها المؤلمة التي لم تدفع ثمناً غالياً لها سوي إلزا، فالرفاق والرفيقات ما عادوا كذلك، والقطار الذي كان يخصني مضي منذ زمن ولم يكن في محطته منتظراً لجنابي أن أتخلص من هبلي وخديعتي أو الفخ الذي وقعت به وما زال كاتماً علي أنفاسي رغم أن الكثيرين علنا وجهاراً غادروه، وهكذا لم تعد إلزا هي إلزا ولم يعد هنالك أحد غير هذا المدي الشاسع الذي تمنحني إياه السخرية وليدة الحزن والأسي الهائل الذي مررت به، وإذا بي أري صورة مرعبة للناقد غير المتسامح الذي نمي وشب بداخلي ليكيل الصاع صاعين لصبية شارع الثقافة الأردني وكل نتاجات التخلف وأحياناً أشفق عليهم لكنني عندما أدرك كم هم منصاعون لكهنتهم وعشاقا لجلاديهم ومتهافتين نحو أحلامهم الشخصية أقول حسناً أفعل بتدمير بنيانهم الهش الذي لا يمكن أن ينمو نمواً إنسانياً طبيعياً ما داموا مفرغين من الموهبة، أي موهبة أن يكونوا بشراً عاديين وبسيطين? وكل ما ظهروا لي بأقنعة الثقافة أفعل تماماً معهم ما قام به أول ناقد في التاريخ في فيلم? تاريخ العالم? في جزئه الأول لأنهم وبتحريض ممن هربوا قاموا بمهمة التصفية المعنوية لكاتب واضطهدوه بحجة واهية كونه قادم من الكويت?

ولو صدقوا في ذلك لكنت معهم، لكن عدائيتهم المجانية لشخصي بالذات تضمر كم كانوا متلهفين علي دخول الكويت والعمل في صحافتها خاصة إبان الأحكام العرفية في الأردن وحرمانهم من الكتب والتفكير والقراءة آنذاك وكل ما هو حرية نسبية? كانوا جوعي لكل ذلك ويعتقدون أن بإمكانهم أن يكونوا نجوم عصرهم لو توفرت لهم الفرص التي توفرت لجيل من الكتاب والمبدعين الذين عاشوا في الكويت أو في داخل إسرائيل? إن الخطورة هي أنهم يضمرون ذلك ولذلك لم أصدقهم في ادعائهم الوطني تجاه نظام صدام حسين ولا بادعائهم تجاه العراق، إنهم أكثر هشاشة من أن يكونوا ما يدعون? بعضهم تدفق اندلاقاً علي جرائد رأس المال بدءاً بالطباعين العرب ومشروع الجريدة وانتهاء بالطباعين غير العرب يركضون لا حمداً ولا شكوراً نحو التماعات النفط ثم يشتمون النفط و يضطهدون القادمين من دول النفط?

حسناً، أنا فخور في الأردن فقط أنني عشت في دولة نفط وليس في مجتمع الشفط واللهط، أما مكابداتنا ومعاناتنا وشقاء الإحساس بأنك مواطن من الدرجة العاشرة في بلد ما، فهذا ما لم يخبروه جيداً ? أواه?? أيها القطار الأول??? مضيت بعيداً بعيداً?

لذلك ولبعض ذلك استوجب التحليق وليس لدي اليوم مانع أبداً من مواجهة تهمة الكائن الفضائي لأنني فعلاً أري الواقع عن بعد تماماً كما هي تقنية نجيب محفوظ بعد فراغه من?الثلاثية? كي نري الناس بأحجامها الطبيعية وبالتالي لا نبخس الأقزام صفاتهم لأنهم لن يصدقوننا لو قلنا أن لهم قامات طويلة، وشامخة، فقد يتصادف أن يكون أحدهم ذكياً ويعتبر ذلك من قبيل السخرية وبالتالي يقع المحظور? أعرف أن ذلك قد يجافي حقائق إنسانية نبيلة لدي هنريك ابسن، ولكن من قال لك أن هكذا مندلقين وهشين ومدعين سيكون لهم علاقة بهنريك ابسن حتي بعد أن يقرؤه، إنهم لا يقرؤون وإن قرأوا لا يفهمون وإن فهموا لا يستوعبون ويتمثلون ما قرأوه، وإلا لما اضطررت لمثل هذه الكتابة دفاعاً عن الذات فقط في بلد يشكل فيه التهديد لحياتك مدعو الثقافة الذين لم يرتدوا زيهم الرسمي ولو لمرة واحدة?

AZZAMAN NEWSPAPER --- Issue 1900 --- Date 31/8/2004

جريدة (الزمان) --- العدد 1900 --- التاريخ 2004 - 8 - 31

AZP09

Editor in Chief   Saad Albazzaz
تصويت
ما الذي سيحصل في العراق اذا طبق قانون الاقاليم؟
استقرار العراق
انتهاء العنف
تفتت العراق
انهيار الامن



   مقال فاتح عبد السلام 

Alefyaa
Alsharqiya TV
alsharqiya.com
International Edition الطبعة الدولية
Iraqi Edition طبعة العراق